البحوث العلميةرسائل الدكتوراه

القيمة الذاتية للنص الديني – الدكتور ناظم العقيلي

اضغط هنا لتصفح البحث وتحميله

وبعد البحث لسنين طويلة في المنهج السندي وعلم الرجال وما يتعلق به؛ تبيَّن أنَّ هناك خللاً كبيراً في هذا المنهج، من حيث النشأة والمشروعية والمنهج والآلية والمادة والأهلية.. الخ. فلا يوجد دليل شرعي صريح ثابت ينص على مشروعية المنهج السندي، أو تأسيسه من قبل النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أو أحد أوصيائه (عليهم السلام)، بل وجدتُ الأمر معكوساً تماماً ! ولا يوجد هناك تخويل أو ترخيص لعلماء الرجال للخوض في تقييم الناس أو المسلمين وانتقاصهم وإظهار معايبهم، فالنهي عن اغتياب المسلمين ثابت قطعاً بالقرآن والسُّنة، فلا يمكن الخروج عن هذا النهي المطلق القطعي إلا بدليل قطعي الصدور والدلالة؛ يستثني مثلاً الغيبة في الجرح والتعديل، فلم أجد ما تطمئن له النفس في هذا المجال.

ثم من يطلع على منهج وآلية الرجاليين في كيفية إصدار الأحكام الرجالية على الرواة؛ يجد العجب العجاب؛ فقد لعب الرأي والهوى والذوق الشخصي والتعصب العقدي والسياسي والقومي والقبلي؛ دوراً كبيراً في تكوين وصيرورة المادة الرجالية، التي كانت بالنتيجة حاكماً على دين الله سبحانه وتعالى. فمن يطلع على هذه المعطيات وأمثالها يجد أنَّ من المجازفة الاعتماد على المنهج السندي في حفظ الدين والسُّنة، وأنَّ أهليته مفقودة في هذا المضمار. بل لعلَّ القارئ المتتبع يتفق معي في أنَّ المنهج السندي قد لعب ويلعب دوراً رئيساً وكبيراً في تفرقة واختلاف الأمة الإسلامية وتحريف الدين عقيدة وفقهاً وتاريخاً ! خصوصاً بعد الاطلاع على مضامين فصول ومباحث هذه الرسالة.

وقد لاحظتُ وضوح منهج حديثي آخر يعتمد على الأدوات الداخلية والذاتية للمنظومة المعرفية الدينية. جاء التأكيد عليه بلسان ولهجة شديدة في أحاديث الرسول محمد وأحاديث أوصيائه (صلوات الله عليهم). ومن هذه الأحاديث ما يزدري المنهج السندي ويُعِّرض بعدم مشروعيته أو أهليته. وهذه الأحاديث تسمى (أحاديث العرض) أي الأحاديث التي تنص وتشير إلى ضرورة عرض الأحاديث المروية على مُحكم القرآن والسُّنة القطعية صدوراً ودلالة. فمن يلاحظ ويتأمل هذه الأحاديث يجد أنَّها تنطلق من دافعين رئيسين:

الأول: دافع التأسيس والتقعيد الشرعي لمنهج يتكفل حماية التراث الحديثي المحمدي من التحريف والتزوير والوضع.

والثاني: ردة فعل تجاه ما مشهور ومعمول به من منهج حديثي بين المسلمين، ومحاولة التنويه إلى ضعفه وعدم مشروعيته.

وملخص (منهج العرض) يدور حول كفاية القرآن والسُّنة بجميع ما يحتاجه المكلفون من حلال وحرام. وأنَّ ما من حديث صحيح مروي إلا وله شاهد أو أصل في كتاب الله تعالى أو في سُّنة الرسول (صلى الله عليه وآله) الثابتة، وما لا أصل له في الكتاب والسُّنة فهو مردود أو ليس بحجة. وهذا يعني أنَّ المنظومة المعرفية الدينية مستغنية بذاتها عن أي عامل خارجي. فلها الأهلية على جذب كل ما ينتسب لها، وطرد كل دخيل لا ينتمي إلى أصلها ومعدنها.

ولذلك جعلت عنوان البحث (القيمة الذاتية للنص الديني). بمعنى أنَّ النص الديني له قيمة واعتبار نابع من خصوص ذاته وجنسه، سواء كانت الملاحظة لكل حديث على حِدة، أو باعتباره جزءاً أو منسوباً إلى منظومة معرفية دينية. وبعبارة أوضح: كل نص يتصف بمزايا تساعد على تحديد هوية ومستوى قائله سلباً أو إيجاباً، من حيث الفصاحة والبلاغة والحسن والقبح… الخ. فكيف إذا كان المتكلم هو الله سبحانه أو أحد حججه على خلقه. فتارة يكون النص الديني متكفلاً بإثبات نسبته إلى قائله بغض النظر عن مقارنته أو قياسه مع نصوص أخرى، كما هو حال القرآن الكريم وبعض الخطب والأحاديث المروية عن الأنبياء والأوصياء. وتارة أخرى يتحتم عرض النص ومقارنته مع الكتاب والسُّنة القطعية لمعرفة صحته من عدمها، كما هو الغالب في النصوص التي تتكفل التشريع سواء على الصعيد العقدي أم الفقهي. فعلى كل حال؛ لا يفتقر النص الديني إلى شيء من خارج المنظومة الشرعية (القرآن والسُّنة). فهو يحمل أدواته الإثباتية بين جوانحه. وحقيقة مضمونه عبارة عن شيفرة تتكفل بالحصول على إذن الدخول إلى المنظومة الشرعية والانتساب لها. ولا يحتاج إلى شاهد أو مساعد أجنبي عن جنسه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق