مقالات منوعة

قانون الغاب – الدكتورة ابتسام أحمد

 

يستعمل مصطلح قانون الغاب أو شريعة الغاب غالبا كمرادف لقانون تتفوق فيه القوة الغاشمة أو المصلحة الذاتية في النضال من أجل البقاء على قيد الحياة. ويمكن أن نقول انه مجموع استراتيجيات البقاء للكائنات الحية. فالتطور خلال مسيرته الطويلة قد صقل عدة استراتيجيات للبقاء. وهذه الاستراتيجيات قد تكون مورفولوجية بنيوية (كتغير في بنية الخلايا أو الأعضاء أو في وظائفها، حيث نجد أن هناك كائنات لديها قواقع أو أنياب أو عضلات، أو آذان أو عيون حساسة…الخ)، أو استراتيجيات فسيولوجية أي متعلقة بوظائف الأعضاء (كأن يكون للحيوان فترات سبات طويل)، أو قد تكون استراتيجيات سلوكية وهي ما يهمنا في هذه المقالة.

نقصد بالسلوك مجموعة أفعال يقوم بها كائن حي بيولوجي (وقد يمتد ليوصف به أي نظام أو مؤسسة أو حتى كائن اصطناعي).  فالسلوك عبارة عن استجابة الكائن لمختلف المحفزات الداخلية أو الخارجية سواء كانت واعية أو غير واعية.

ربما يتصور البعض بشكل خاطئ أن الاستراتيجية السلوكية التي تمكن من البقاء في “الغاب” هي التي تمكن من القضاء على الخصوم. ونحن نجد القتل والدماء والعدائية فعلا في قانون الغاب لكنها ليست كل شيء.

ولتوضيح الأمر دعنا نفترض [1] أن هناك كائنا “أ” وكائنين “ب” و “ج” منافسان له على الموارد، ولنفترض أيضا انهما من نفس النوع [2]. اذا التقى “أ” بـ “ب”، فقد يكون من المفيد له قتله لكي يتخلص من منافس، لكن هذا الأمر قد يفيد أيضا “ج”، فيكون “أ” قد عرض نفسه لخطر الموت واستنفذ وقتا وطاقة لكي يفيد خصما آخر له. فربما الأفضل له أن يستكين ويوفر طاقته ويبقى بعيدا عن النزاعات والمشاكل، وربما يبقى ينتظر أن يتنافس خصماه بينهما ويقتل احدهما الآخر ويفيدانه بطريقة غير مباشرة.

ويمكن أن نتصور أن يكون “أ” و “ب” و “ج” معرضون لخطر منافس آخر يختلف عنهم جينيا، فإن اختار “أ” أن يعين “ب” اليوم لكي يعينه هو غدا فسيتمكنان جميعا على الأرجح من توفير وقت وطاقة والوقوف بوجه المنافس الآخر. وقد يكون “ب” ابنا لـ”أ” حاملا بالتالي لجيناته، وإن ضحى من أجله بنفسه مقابل “ج” فسيعطيه فرصة للبقاء وبالتالي تبقى جيناته هو لجيل آخر.

الغرض من المثال هو بيان أنه ليس هناك فائدة ممنهجة من محاولة قتل كل الخصوم كل الوقت، فليس بالضرورة أن تكون هذه الاستراتيجية صالحة للبقاء على المدى الطويل.

وقد يكون من المفيد التوضيح الآن أن هذه الاستراتيجيات السلوكية ليس بالضرورة أن تكون واعية، فليس الأمر كما أن “أ” يقوم بسلسلة حسابات معقدة واعية ليعرف إن كان عليه أن يقتل أو يهرب أو يتعاون بحسب المنفعة التي يأتي بها والضرر الذي يدفعه عن جيناته.

في نظرية الألعاب، وعلم النفس السلوكي وعلم النفس التطوري، هناك ما يسمى بـ “استراتيجيات مستقرة تطوريا”. ولتوضيح المعنى دعنا نأخذ مثالا لاستراتيجيتين سلوكيتين خلال النزاع على موارد معينة :

  1. استراتيجية الحمامة: حيث يرفض الفرد أي نزاع وبالتالي يهرب بمجرد تعرضه للاعتداء.
  2. استراتيجية الصقر: حيث يهاجم الفرد بشكل منهجي منافسه للحصول على الموارد.
  • عندما يجتمع اثنان من أصحاب استراتيجية 1، يفوز أول من يصل، من دون صراع.
  • عندما يواجه صاحب استراتيجية “الحمامة” صاحب استراتيجية “الصقر”، يفوز الثاني من دون صراع.
  • عندما يجتمع اثنان من أصحاب استراتيجية “الصقر” يكون هناك نزاع، وكل منافس لديه فرصة على اثنين لكسب المورد، ولكن لديه أيضا احتمالية للمعاناة من أضرار نتيجة الصراع.

ويمكن أن نثبت من خلال حسابات بسيطة، أو بمحاكاة على الكمبيوتر أن منحنى نسب عدد الأعضاء الذين ينتمون  لهاتين الاستراتيجيتين يتطوران إلى أن يصلا إلى نسب مستقرة. فالاستراتيجيتان في هذا المثال البسيط يمكن أن تتعايشان معا وتتواجدان في نفس الوقت، وفق نسب معينة تعتمد على حجم المكاسب وشدة الضرر. ففي ظروف معينة وبيئات معينة يمكن أن تتعايش اكثر من استراتيجية (مع وجود تنافس بينها) وفق نسب معينة ثابتة إحصائيا وهي ما يطلق عليه “استراتيجيات مستقرة تطوريا”.  وبالرغم من أن الأمر اكثر تعقيدا في الطبيعة إلا أن هذا لا يلغي أهمية هذا المثال لتجلية المعنى.

ويمكننا الآن أن نقول إن قانون الغاب ليس هو “اقتل أو تقتل” وليس هو “البقاء للأقوى” بمجموع الاستراتيجيات السلوكية المستقرة تطوريا في تنافس محتدم ومستمر وغير واع للبقاء، والتي بناها وصقلها التطور البيولوجي المبني على التمايز الجيني والانتخاب والوراثة بتمرير الجينات إلى الأجيال اللاحقة.

ويمكننا ملاحظة انه ليس كل الاستراتيجيات السلوكية مبنية على القتل والقوة الغاشمة، فكما أن هناك استراتيجيات يحكمها القتل والتخويف والاستغلال والاستعباد، هناك استراتيجيات الهروب، والتعاون و”ايثار” الأقارب وحتى التضحية لأجلهم، أو لأجل أي شيء يمكن أن يحقق بقاء اكبر وأطول للجينات التي يحملها الجسد ولو في أجساد آخرين.

وبالرغم من الإرباك الذي ممكن أن تشكله بعض هذه الاستراتيجيات كونها تظهر غير أنانية ومخالفة للفهم السطحي لـ “قانون الغاب” الذي يمكن من البقاء، إلا أن هذا الإرباك منشؤه سوء فهم للتطور بشكل عام وللتطور السلوكي الاجتماعي بشكل خاص. فبالرغم من المظهر الخادع لبعض هذه الاستراتيجيات التي تظهر كإيثارية إلا أن كل الاستراتيجيات السلوكية التي تظهر عند الحيوانات بشكل غير واع استراتيجيات “أنانية”. ومستوى انانيتها ليس المجموعة، ولا العائلة، ولا الفرد، لكن مستوى انانيتها هو جيني فهي جينية المنشأ وهذه الجينات التي توفر هكذا سلوك وتنجح في البقاء يتم تمريرها إلى الأجيال التالية.

هذا يجعلنا الآن مستعدين لتعريف “قانون الغاب” فهو مجموعة من الاستراتيجيات السلوكية التي نجحت في البقاء بيولوجيا. وهي كلها أنانية جينية ولو ظهرت أنها إيثارية.

ويمكننا أيضا أن نقول إن الكثير أيضا مما نشاهده من الاستراتيجيات السلوكية في العالم الإنساني هي أيضا داخلة تحت اطار “قانون الغاب” من علاقات بين الأفراد ومؤسسات (الشراكة والحروب والمعاهدات ونقضها… الخ) حيث أنها في كثير من الأحيان نفس الاستراتيجيات الجينية الأنانية الموجودة في العالم الحيواني. [لجينات أنانية ولكن هذا لا يعني أن الأجساد تسلك سلوكاً أنانياً محضاً، فمعنى أن الجينات أنانية هو أن الأجساد لا يمكن أن تسلك سلوكاً إيثارياً مضاداً لأنانية الجين، فالجين من حيث إنه أناني حريص على بناء أجساد تضمن بقاءه وانتقاله عبر الأجيال] [3].

فسلوكيات الهوموسابيانس أيضا يحكمها “قانون الغاب”، بل كل الاستراتيجيات السلوكية الحيوانية نجدها موجودة في سلوكيات الهوموسابيينس. وهذا ما نراه في رمزية التشبيه بالحيوانات في النصوص الدينية:

[ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ] – الأنعام 38

[ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ] – الأعراف 176

[ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] – الفرقان 44

[ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ] – الأعراف 166

من جانب آخر، هناك سلوكيات مناقضة أتت للإنسان بالتعليم ولا تستطيع أبدا نظرية الجينة الأنانية تفسيرها، وهي مجموعة سلوكيات مبنية على الإيثار الحقيقي المحايد الذي لا يرجى منه أي منفعة للجينات والذي نجده مختصا فقط بالإنسان. وهكذا سلوك لا يمكن أن تأتي به الجينة لأنه بالضد منها. بل قد وصله بتعليم  فـ [بفضل هؤلاء وأشباههم [4] من أنبياء الله ورسله لدينا اليوم أفراد ومجموعات وحتى دول يؤثرون الآخرين الغرباء عنهم وإن كان بالقليل الذي لا يؤثر في حالهم وربما هناك غايات من وراء العطاء في بعض الأحيان، ولكنها عموماً خطوة بالاتجاه الصحيح وصلنا لها بفضل أولئك العظماء، فهم الأمثلة الإيثارية العليا التي تعلمت منها البشرية.

نحن اليوم نمتلك انتصارات حقيقية على الأنانية الجينية ولكنها جميعاً تستند على جهود أولئك العظماء أنبياء الله ورسله الذين ضربوا المثل الأعلى في الإيثار الحقيقي لينقذوا الإنسانية من حيوانيتها] [5].

فالناس من حيث أجسادهم كالحيوانات، يعيشون وفق “قانون الغاب” ووفق استراتيجيات سلوكية تدفعهم اليها أنانية جيناتهم لكنهم استطاعوا، أو عندهم الإمكانية، أن يجذفوا عكس التيار لاتصالهم بالنفس الإنسانية وبفضل تعلمهم من أنبياء الله ورسله، أبطال الإيثار الحقيقي المحايد، وعند اتباعهم لهم فقط يتخلصون من حيوانيتهم، وكل بحسبه :

عن أبي عبد الله عليه السلام في وصفه المؤمنين الحقيقين الذين شايعوا واتبعوا هؤلاء العظماء : [إنما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته ولا شحناؤه بدنه ولا يحب لنا مبغضا ولا يبغض لنا محبا ولا يجالس لنا غاليا ولا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس وإن مات جوعا…] [6].

والمخلص الموعود به آخر الزمان والذي وصفته النصوص الدينية بعدة مواصفات، جلجامش أو المعزي أو المهدي، يوصف بالمنقذ. فهو المنقذ للإنسان من حيوانيته، أي من خضوعه لقانون الغاب. لذلك تجد مجموعة من النصوص التي تصف زمانه تذكر تعايش الحيوانات فيما بينها، وهذا قد يشير بشكل مرمز الى الانتصار على قانون الغاب والاستراتيجيات الحيوانية المغروسة في اجساد الهوموسابيينس.

وأختم بهذه الكلمات من سفر اشعياء التي تبين كيف تتخلص الإنسانية من حيوانيتها بفضل المنقذ العالمي “القضيب من جذع يسى” : ((1 وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، 2 وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. 3 وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، 4 بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. 5 وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. 6 فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. 7 وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. 8 وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ)) [7].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- المثال مأخوذ بتصرف من كتاب الجينة الأنانية ـ ريتشارد دوكنز ـ ص 109.

2- المنافسة بين أعضاء نفس النوع اكثر ضراوة لاشتراكهم في الموارد. لكنهم قد يتعاونون أيضا ضد منافس خارجي لانهم يشتركون في الجينات، وفق بند قانون الغاب “أنا واخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب”.

3- كتاب وهم الإلحاد ـ الإمام احمد الحسن ـ فصل الخطاب: أنانية الجين لا تسمح بمرور الإيثار الحقيقي.

4- لكلام هنا عن الإمام علي وفاطمة وأبنائهم (ع) الذين جسدوا اسمى معاني الإيثار.

5- كتاب وهم الإلحاد ـ الإمام احمد الحسن ـ علي وفاطمة وصغارهم يفسدون مخطط الجينة الأنانية فهل من متدبر؟

6- بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 25 – الصفحة 165.

7- العهد القديم ـ سفر اشعياء ـ الاصحاح 11.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى